ابن أبي الحديد
77
شرح نهج البلاغة
لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله فما أرى أحدا يشبههم منكم ، لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا ، وقد باتوا سجدا وقياما ، يراوحون بين جباههم وخدودهم ، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم ، كأن بين أعينهم ركب المعزى ، من طول سجودهم ، إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم ، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف ، خوفا من العقاب ، ورجاء للثواب . الشرح : السمت : الطريق ، ولبد الشئ بالأرض ، يلبد بالضم لبودا : التصق بها . ويصبحون شعثا غبرا ، من قشف العبادة وقيام الليل وصوم النهار وهجر الملاذ ، فيراوحون بين جباههم وخدودهم ، تارة يسجدون على الجباه ، وتارة يضعون خدودهم على الأرض بعد الصلاة ، تذللا وخضوعا . والمراوحة بين العمل : أن يعمل هذا مرة وهذا مرة ، ويراوح بين رجليه ، إذا قام على هذه تارة وعلى هذه أخرى . ويقال معزى لهذا الجنس من الغنم ومعز ومعيز وأمعوز ومعز ، بالتسكين ، وواحد المعز ماعز ، كصحب وصاحب ، والأنثى ماعزة والجمع مواعز . وهملت أعينهم : سالت ، تهمل وتهمل . ويروى " حتى تبل جباههم " أي يبل موضع السجود فتبتل الجبهة بملاقاته . ومادوا : تحركوا واضطربوا ، إما خوفا من العقاب كما يتحرك الرجل ويضطرب ، أو رجاء للثواب كما يتحرك النشوان من الطرب ، وكما يتحرك الجذل المسرور من الفرح .